يوسف المرعشلي

1329

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

كان زاهدا عفيفا مجدّا جريئا شجاعا ، لا يخشى في اللّه لومة لائم ، محبا للسنّة ، حريصا على تطبيقها . توفي سنة 1354 ه . الحشائشي « * » ( 1271 - 1330 ه ) محمد بن عثمان الحشائشي الشريف التونسي ، المؤرخ ، الرحالة ، الأديب الشاعر . ولد بتونس في 26 رمضان 1271 / 12 ( جويلية ) تموز 1855 م . نشأ في بيت علمي قديم ، فجده الحاج محمد ابن الحاج قاسم تولى قضاء الفريضة ( تحرير المواريث ، وتقدير النفقات ) في عهد حمودة باشا الحسيني ، ووالده من شيوخ جامع الزيتونة ومتوظف بالديوان الشرعي . وقد وجّهه والده نحو التعليم حسب الطريقة المتبعة في ذلك العصر ، فبعد استظهاره للقرآن الكريم ، دخل جامع الزيتونة ، وقرأ به على أعلامه كأحمد الورتاني الذي لازمه كثيرا ، وسالم بو حاجب ، وعمر بن الشيخ ، ومحمد بيرم الخامس ، ومحمود بن الخوجة ، وغيرهم إلى أن أحرز على شهادة التطويع ، وانتصب بعدها متطوعا بالتدريس والإفادة بجامع الزيتونة ، وتولّى خطة العدالة ( التوثيق ) في سنة 1291 / 1876 . كان قوي الذاكرة ، واسع الحفظ ، غزير الاطلاع ، وكان محبّا للترحال ، فجال في داخل البلاد متنقلا بين المدن والقرى والبوادي ، وقد اكتسب من هذا التجوّل خبرة بالعادات والتقاليد وفنون الفلكلور ، ولأجل هذه الخبرة ومعرفته الجيدة بالمخطوطات قصده مواطنوه والمستشرقون للاستفادة منه ، ونشر انتاجه شعرا ونثرا في الصحف ، وكان يميل إلى الدعابة والفكاهة . وفي خلال سنة 1313 / 1896 رحل إلى ليبيا باقتراح من السياسي الفرنسي الثري المستكشف المركيز دي موراس Marquis de Mores ، ودامت الرحلة ما يقرب من سنة ، ويبدو أن المركيز أنفق على هذه الرحلة لأن الحشائشي لم يكن ثريّا ، ولأنه بعد مقتل المركيز في الأراض الليبية ، نشبت نزاعات مالية مع أسرة دي موراس المذكور ، وكيفية تعرف المترجم على هذه الشخصية هو أنه تأثر سابقا ببيان نشره القس لوزون Loyson عن تقارب المسيحية والإسلام ، وقدّر رأيه ، وكان صديقا للمترجم الطاهر اللجمي الذي كان تعرّف من قبل على المركيز إذ قدمه له دليله في الجنوب الجزائري صالح بالضياف الذي أتى إلى تونس للالتحاق بمخدومه من 28 ( مارس ) آذار إلى 8 ( أفريل ) نيسان 1896 ، وطلب الطاهر اللجمي من المترجم له أن يحرّر لفائدة دي موراس رسالة وقصيدة يقدمان إلى المهدي السنوسي ، ولإعجاب الحشائشي بشخصية المركيز وبعواطفه الإسلامية عقد له صلة مع التاجر الحاج علي بلقاسم التنبي الغدامسي الذي جعله المركيز يأمل في إنشاء ولاية بالجنوب التونسي يكون حاكمها قريبا له ، وفي نهاية ( أفريل ) نيسان اقترح موراس على الحشائشي أن يلتقي به في غات مرورا ببنغازي والكفرة ، وحمل الحشائشي معه بضائع لدراسة الأسواق ، وطلب منه أن يهيىء له مقابلة مع المهدي السنوسي لبعث أمله لإنشاء زاوية في الجنوب التونسي تستخدم محطة للتجارة عبر الصحراء ، وركب الحشائشي البحر متوجها إلى ليبيا بعد أربعة أيام من رحيل موراس إليها . ولا بد أن نتعرض بإيجاز إلى مشاريع موراس وغرضه من الرحلة إلى ليبيا ، وتكليفه للحشائشي للقيام بهذه الرحلة ومقابلته للمهدي السنوسي ، ولموراس غايتان تحويل التجارة عبر الصحراء إلى المغرب الخاضع لفرنسا ، وسبق الإنكليز الدخول إلى التشاد والنيل الأعلى ، وإلا طردهم منها ، ويرى أن برنامجه يمكن تحقيقه في فترتين متواليتين ، وتحمّس بالخصوص للوضعية السياسية . وهو يعتقد في حسن نية الطوارق والسنوسية ، ما

--> ( * ) « الأعلام » : 7 / 146 ، « معجم المؤلفين » : 10 / 282 ، « مقدمة تاريخ جامع الزيتونة » ، و « مقدمة رحلة الحشائشي إلى ليبيا » . و « تراجم المؤلفين التونسيين » لمحمد محفوظ : 2 / 144 - 147 ، و Andre Martel ; Les confins Saharo Tripolitains de la Tunisie ( 1881 - 1911 ) Presse Universitaire de France 1965 T . I - pp . 685 , 707 - 8 .